أندلسيات القاسم بن فيرة

ثلاثاء, 17/10/2017 - 13:45

ربما لم يكن أحد من أهل شاطبة في وسط القرن السادس الهجري يظن أن ذلك الغلام الذي ولد لأسرة فقيرة

وكان ضعيف البنية وكف بصره في السنوات الأولى من عمره سيصبح له كل هذا الشأن  ويظل الناس يدعون له-في مجالس العلم حتى آخر الدهر بل و يكون كل العلماء الذين ألفوا بعده في علم القراءات عالة عليه-  وحسبك أن تعرف أن محمد بن مالك الطائي الجياني  صاحب ألفية النحو الشهيرة قد ألف  قصيدة  في علم القراءات   تسمى المالكية على نهج قصيدة صاحبنا والتي تسمى  الشاطبية – أو حرز الأماني ونيل التهاني   فأما قصيدة الشاطبي   فتلقفها الطلاب  منذ إنشاءها  وظلت متداولة إلى وقتنا الحاضر  كأشهر ما ألف في هذا الفن وقد طبعت عدة مرات وأما قصيدة ابن مالك فقد ظلت مخطوطة  ولم يعثر عليها إلا في السنوات الأخيرة  حيث وجدت نسخة منها في دار الكتب الظاهرية ونسخة أخرى أجود منها في مكتبة لالولي بتركيا وقد حققها  الدكتور أحمد بن علي بن عبد الله السديس قبل خمس سنوات  فجزاه الله خيرا

وقد تشرف كاتب هذه العجالة بمقارنة القصيدتين  المالكية التي يقول بن مالك في أولها

لأحمدك اللهم حمدا مؤبدا     وأثني على خير البرية أحمدا

إلى أن يقول : حوت ما حوى حرز الأماني وأزيدا

والشاطبية وأولها

نا رحيما وموئلا بدأت ببسم الله في النظم أولا     تبارك رحما

وقدلا حظت أن ابن مالك زاد على الشاطبي في عدة مواضع  وقصر عنه في مواضع  كما استخدم بعض رموز القراء التي استخدمها  الشاطبي  حين يقول جعلت أباجاد على كل قارئ    دليلا على المنظوم أو أولا

أضف إلى ذلك أن الحكم والنكت والفوائد التى أوردها الشاطبي في قصيدته قد تفوق بها على ابن مالك  

فمن هو هذا العالم الجليل الذي انتشر ذكره في الآفاق؟

هو القاسم بن فيرة بن خلف بن أحمد الشاطبي الرعيني يرجع نسبه إلى أذواء اليمن ولد سنة 538 بشاطبة بالأندلس   بدأ في تلقى العلم منذ نعومة أظافره  فحفظ القرآن وتعلم طرفا من الحديث والفقه حيث كان يحضر حلقات العلم التي تعقد في مساجد شاطبة  على أبي عبد الله محمد بن أبي العاص النَّفْزِيِّ، ثم شدَّ رحاله إلى بلنسية     فعرض بها التيسير من حفظه والقراءات على ابن هذيل، وسمع منه الحديث وروى عنه وعن أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف بن سعادة صاحب أبي علي الحسين بن سكرة الصدفي وعن الشيخ أبي محمد عاشر بن محمد بن عاشر   وعن أبي محمد عبد الله بن أبي جعفر المرسي وعن أبي العباس بن طرازميل وعن أبي الحسن عليم بن هانئ العمري وأبي عبد الله محمد بن حميد أخذ عنه كتاب سيبويه والكامل للمبرد وأدب الكاتب لابن قتيبة وغيرها, وعن أبي عبد الله محمد بن عبد الرحيم وأبي الحسن بن النعمة صاحب كتاب ري الظمآن في تفسير القرآن وعن أبي القاسم حبيش صاحب عبد الحق بن عطية صاحب التفسير المشهور ورواه عنه، ثم رحل للحج فسمع من أبي طاهر السلفي بالإسكندرية وغيره, ولما دخل مصر أكرمه القاضي الفاضل وعرف مقداره, وأنزله بمدرسته التي بناها بدرب الملوخية داخل القاهرة وجعله شيخها وعظمه تعظيمًا كثيرًا، ونظم قصيدتيه اللامية والرائية بها، وجلس للإقراء .قال السخاوي رحمه الله أن سبب رحيل الشاطبي عن بلده أنه عرضت عليه الإمامة فتعلل بالخروج إلى الحج  وقد كان إمامًا كبيرًا أعجوبة في الذكاء كثير الفنون آية من آيات الله تعالى غاية في القراءات حافظًا للحديث بصيرًا بالعربية إمامًا في اللغة رأسًا في الأدب مع الزهد والولاية والعبادة والانقطاع

قال عنه لإمام الحافظ أبو شامة المقدسي -رحمه الله- من نظمه في ذلك:

رأيت جماعة فضلاء فازوا ... برؤية شيخ مصر الشاطبي

وكلهم يعظمه ويثني ... كتعظيم الصحابة للنبي

توفي -رحمه الله تعالى- في الثامن والعشرين من جمادى الآخرة سنة تسعين وخمسمائة الموافق 20يوليو1194بالقاهرة, ودفن بالقرافة بين مصر والقاهرة بمقبرة القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني

تعود شهرة القاسم بن فيره إلى منظومته "حزر الأماني ووجه التهاني" في القراءات السبع، وهي قراءات نافع إمام أهل المدينة، وابن كثير إمام أهل مكة، وأبي عمرو بن العلاء إمام أهل البصرة، وعاصم وحمزة والكسائي أئمة أهل الكوفة، وابن عامر إمام أهل الشام

فأما رواية أبي عمرو البصري: هي الرواية الأكثر ذيوعًا في الصومال، والسودان، وتشاد، ونيجيريا، وأواسط إفريقية بصفة عامة.

رواية ورش المصري عن نافع المدني: وهي الرواية المنتشرة في بلاد المغرب العربي (الجزائر والمغرب وموريتانيا)، وفي غرب إفريقيا (السنغال والنيجر ومالي ونيجيريا وغيرها) وإلى حد ما بعض نواحي مصر وليبيا وتشاد وجنوب وغرب تونس. وهي الرواية التي كان لَها الانتشار في القرون الأولى في مصر، ومنها انتشرت إلى تلك البلدان.

رواية قالون عن نافع: شائعة في ليبيا (القراءة الرسمية) وفي أكثر تونس.

رواية حفص عن عاصم: كانت رواية نادرة الوجود حتى نشرها الأتراك الأحناف في آخر العهد العثماني. وقد انتشرت في جميع المشرق وفي الجزيرة ومصر. والحنفية يتعصبون لرواية عاصم لأن أبا حنيفة كوفي أخذ عن عاصم.

وبقية القراءات الأخرى يتناقلها المتخصصون بالسند المتصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم

  ومن أشهر مؤلفات الشاطبي  عقيلة أتراب القصائد في رسم القرآن وهي التي تسمى الرائية

حرز الأماني وهي اللامية

غاية النهاية في طبقات القراء

شمس الدين الذهبي: معرفة القراء الكبار    .

طبقات الشافعية الكبرى 

ابن خلكان: وفيات الأعيان

الإسنوي: طبقات الشافعية