ابن مضاء القرطبي

ثلاثاء, 17/10/2017 - 14:23

 تعرفت على بن مضاء القرطبي أول مرة في عام 2008 وكنت وقتها أسكن  في حي الكرامة بمدينة دبي حيث أبيع بضاعة الفكر المزجاة في سوق الأدب الكاسدة  لكن الله –جلت قدرته- الذي يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي كان يرزقني الكفاف من خرطوم القلم . فذات يوم عندما كنت أعد بحثا في أصول  النحو التقيت به فكنت أتخيل روحه الطاهرة تنساب بين السطور مجردة من الهيولى، حاملة معها عبق الماضي بما يحويه من كنوز علمية تدعونا إلى كتشافها وإنصاف أناس قصرنا في حقهم

لم يطل مقامي في دبي أكثر من شهرين حيث كان يلزمني الخروج لتجديد التأشرة وكذالك لم يطل مقامه هو بداخلي أكثر من ذلك  غير أنها كانت فترة كافية  للتعرف عليه-وإن كنت لا أومن  بالإتحاد ولا بالحلول  ولا بالتناسخ، لكن الأرواح جنود مجندة ما تعارف من ائتلف وما تناكر اختلف ، وقد أعجبني فيه أن ثورته  النحوية تختلف عن ثورة بن مالك التي جاءت من  داخل النحو  أما ثورته  هو فقد جاءت خارجة عن التقاليد النحوية  لتهدم بعض الدعائم الأساسية التي بنى عليها النحاة مذهبهم ،فقد لاحظ بن مضاء أن الأبحاث النحوية  كالفقهية تماما تتضخم بالتأويلات والتعليلات والتقديرات التي  لا حصر لها و يمكن الاستغناء عنها فكان ذلك أحد العوامل التي دفعته إلى الثورة كما لا يمكن أن نتجاهل  أن نهجه في النحو موافق تماما لمذهبه في الفقه حيث يعتبر بن مضاء حجة في الفقه الظاهري

 

 فمن هو بن مضاء

هو أَحْمد بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن سعيد بن حُرَيْث ابْن عَاصِم بن مضاء اللَّخْمِيّ قَاضِي الْجَمَاعَة أَبُو الْعَبَّاس وَأَبُو جَعْفَر الجياني الْقُرْطُبِيّ

ولد  في قرطبة سنة إحدى عشرة وقيل ثلاث عشرة وخمسمائة، ونشأ منقطعا إلى طلب العلم، ثم رحل إلى سبتة في طلب الحديث حيث أخذه عن القاضي(عياض)ثم تولى القضاء في دولة الموحدين في عهد حاكمها(يوسف بن عبد المؤمن)  وقد كان هذا الأخير يعتنق المذهب الظاهري ويتعصب له وهذا المذهب  أسسه في المشرق داود بن علي الأصفهاني(202هـ ـ270هـ)، ونشره في المغرب ابن حزم الأندلسي(384هـ ـ456هـ) ويقوم   على انكار القياس،والتعليل،وعدم الأخذ بالفروع، والاقتصار على القرآن والسنة.

كما كان شاعرا بارعا وكاتبا مبرزا له من المؤلفات المشرق في النحو، تنزيه القرآن عما لايليق بالبيان وناقضه فِي هَذَا التَّأْلِيف ابْن خروف بِكِتَاب سَمَّاهُ: تَنْزِيه أَئِمَّة النَّحْو، عَمَّا نسب إِلَيْهِم من الْخَطَأ والسهو، وَلما بلغه ذَلِك قَالَ: نَحن لَا نبالي بالكباش النطاحة، وتعارضنا أَبنَاء الخرفان!

وكذلك له كتاب  الرد على النحاة وقد حققه الدكتور شوقي ضيف وهو الوحيد الذي وصلنا من مؤلفاته

 وقد قامت ثورته على الأسس التالية

أولا إلغاء نظرية العامل .

ـ ثانيا :الإعتراض على تقدير العوامل المحذوفة.

ـ ثالثا: إلغاء العلل النحوية.

ـ رابعا :الدعوة إلى إلغاء القياس.

ـ خامسا :الدعوة إلى إلغاء التمارين غير العملية.

ـ سادسا: الدعوة إلى إلغاء كل ما لا يفيد نطقا.

 

فمثلا فيما يخص العامل:يقول محمد بن آجروم النحوي: الإعْرَابُ هُوَ: تَغْييرُ أَوَاخِرِ الْكلِمِ  لاِخْتِلاَف ِ الْعَوَامِلِ الْداخِلَة عَلَيهَا لَفْظاً أَوْ تَقْدِيراً

أما بن مضاء فيرى أن تغيير أواخر الكلم لايكون بالعامل  ويستدل على رأيه بكلام ا بن جني في كتابه ((الخصائص))  حين يقول وأما في الحقيقة ومحصول الحديث فالعمل من النصب والرفع والجر والجزْم، إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره فأكد المتكلم بنفسه ليرفع الاحتمال، ثم زاد تأكيداً بقوله: لا لشيء غيره. وهذا قول المعتزلة. وأما مذهب أهل الحق فإن هذه الأصوات إنما هي من فعل الله تعالى، وإنما تنسب إلى الإنسان كما ينسب إليه سائر أفعاله الاختياريةوأما القول بان الألفاظ يحدث بعضها بعضا فباطل عقلاً وشرعاً، لا يقول به أحداً من العقلاء لمعانٍ يطول ذكرها .انتهى كلامه

 

ولنتأمل قول  بن مالك

ورفعوا مبتدأ بالابتدا           كذاك رفع خبر بالمبتدا

نجد هنا أن العامل الذي رفع المبتدأ هو الابتداء فهل الابتداء غير المبتدإ  ؟أم أنه هو المبتدأ ذاته  وفي الحالتين نجد المبتدأ عاملا ومعمولا ،عاملا لأنه رفع الخبر ومعمولا فيه لأنه رفع بالابتداء

ونحن وإن كنا لانوافق بن مضاء على جميع ما أورده في كتابه الرد على النحاة فإننا نجد أنفسنا في أمس الحاجة إلى إعادة النظر في آلة النحو وفي إنتاجها المتراكم عبر القرون

وقبل أن نورد مثالا على ما ينبغي أن يحذف من النحو –حسب رأي بن مضاء القرطبي –لا يسعنا إلا أن نعتذر للقارئ الكريم عن ما  قد يصيبه من الملل والغثيان بسبب قراءة هذه السطور ، كما لا ننصح بقراءتها من هم دون الثامنة عشر من العمر

ومما ينبغي أن يسقط من النحو (ابْنِ من كذا مثال كذا) كقولهم (ابن من البيع) مثال (فُعْل)، فيقول قائل: (بوع) أصله بُيْع فيبدل من الياء واواً لانضمام ما قبلها، لأن النطق بها ثقيل، كما قالت العرب: (موقن وموسر) أصل مُوقن: ميْقن، لأنه اسم فاعل، وفعله أيقن، ففاء الفعل منه ياء. كما أن أكرم اسم الفاعل منه اؤه ياء، كما أن اسم أكرم اسم الفاعل منه مكرم، ففاء الفعل وهي الكاف، وهي فاء اسم الفاعل في مكرم، وكذلك كل اسم فاعل صحيح، فاؤه فاء فعله، وعينه عينه، ولامه لامه. وتقول في جمع موسر: (مياسير)، وفي تصغيره (مييسر)، لما زالت علة إبدال الياء واواً، وهي سكونها وانضمام ما قبلها، رجع إلى أصله. ومن قال (بيع) بالكسر كسر الباء، لتصحَّ الياء، كما قالت العرب (بِيض وعِين وغِيد) في جمع (بَيْضاء وعَيْناء وغَيْداء) وكذلك المذكر، لأن فعلاء يجمع على فُعْل (كحمراء وحُمْر وشقراء وشُقْر)، والقياس أن يقال (بُيْض وغُيْد وعُيْن) لكنهم عدلوا إلى الكسر لئلا يبدلوا من الياء واواً. وإما أي الرأيين هو الصواب؟ فلكل واحد من الرأيين حجة.إلخ

 توفي بن مضاء وله من العمر ثمانين عاما