الرحلة التي غيرت مسار علوم البحار

سبت, 08/08/2020 - 01:40

في بهو المركز الوطني لعلم المحيطات بمدينة ساوثامبتون البريطانية، ينتصب نموذج ملون لتمثال، من تلك التي تُوضع عادة في مقدمة السفن. ويصوّر التمثال، الذي يزيد ارتفاعه عن ارتفاع قامة الإنسان العادي، فارسا ذا شارب، يبدو أشبه بمقود دراجة، وعلى رأسه خوذة ترتفع مقدمتها لأعلى قليلا، ويغطي صدره درع معدني فضي اللون، وتحدق عيناه - على ما يبدو - في الأفق البعيد.

ويشكل هذا التمثال الخشبي، القطعة الوحيدة المتبقية من سفينة ذات أشرعة رئيسية مربعة الشكل حملت اسم "إتش إم إس تشالنجر"، قامت ذات يوم برحلة استغرقت ثلاث سنوات ونصف السنة، قصدت خلالها بقاعا تقع في أقاصي الكرة الأرضية. وأعادت هذه الرحلة صياغة علوم البحار، وكشفت النقاب عن الكثير من أنواع العجائب الموجودة تحت سطح الماء، وغيّرت – إلى الأبد – طبيعة علاقتنا مع المحيطات الواقعة، على سطح كوكبنا.

ولم تكن الرحلة، التي استمرت خلال الفترة ما بين ديسمبر/كانون الأول 1872 ومايو/أيار 1876، بالبسيطة أو اليسيرة، إلى حد أنه لو كان بوسع ذاك التمثال - الموجود الآن في ساوثامبتون – الحديث عنها، لروى كيف تناثر عليه خلالها رذاذ المياه المالحة، عندما كانت "تشالنجر" تمخر عباب المحيطيْن القطبي الشمالي والجنوبي. كما كان سيتسنى له أن يحكي لنا رحلة السفينة، عبر مساحات واسعة من المحيط الهادئ، بل وخوضها مغامرة بلغت في خضمها، ما هو أبعد من الدائرة القطبية الجنوبية.

لكن تلك الرحلة الطويلة ذات المسار الدائري، آتت أُكُلها. فعند انتهائها، أعلن جون مَرّي، عالم الطبيعة المرموق وقتذاك والذي كان على متن السفينة، أن هذه المهمة شكلّت "التقدم الأعظم على صعيد المعرفة على ظهر كوكبنا، منذ الاكتشافات الشهيرة التي شهدها القرنان الخامس عشر والسادس عشر". وبطبيعة الحال، مَثَلَّ ذلك إنجازا بالنسبة لسفينة، لم يكن يُفترض لها، سوى أن تكون قطعة بحرية صغيرة في أسطول ضخم الحجم، كالأسطول الملكي البريطاني.

وقد ظهرت تلك السفينة الخشبية إلى النور في فبراير/شباط عام 1858، بعدما بُنيت في حوض "وليتش" لبناء السفن بإنجلترا، الذي لم يعد قائما في الوقت الحاضر. وصُمِمَت "تشالنجر"، التي يبلغ طولها نحو 61 مترا، لتكون سفينة حربية، تجوب البحار بقوة الرياح والبخار أيضا.

 

ــــــــــــــ

بن ليرويل - صحفي - بي بي سي