الثقافة.. وشيطنة الآخر!

أربعاء, 14/10/2020 - 22:26

يوسف عوض العازمي - القبس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«إن الثقافة بلا حرية لن تصنع عقلاً واسعاً وحراً» - جون ستيوارت ميل هناك هالة كبيرة في مجتمعاتنا حول المثقفين، واعتبار الثقافة كشكل اجتماعي أكثر منه ثقافي، خاصة عندما يدعي أحدهم بأنه مثقف أو يحظى من مجموعة ما (أيا كانت المجموعة أناساً أو مطبوعات أو وسائل إعلامية) بلقب مثقف، وفي الوقت نفسه وواقعيا هو لا يملك سوى اللقب، ويعتبره كلقب اجتماعي او للحصول على موقع بين المثقفين، وأنه أحد ركاب قافلة المثقفين الذين يتحدثون وينظرون حول كل قضية وأي قضية، بدءاً من اتفاقية وستفاليا مروراً بما جرى في كواليس مؤتمر لوزان، حتى انه سيتحدث عن معلوماته الحصرية عن رقعة التيوبلس لإطارات مركبته واعتبار البنشرجي أبو حسن أفضل أم أن منافسه البنشرجي أبو طارق أفضل! أي أن مسمى مثقف هو في الحقيقة مسمى لا أصل له، مسمى للرفاهية وحفلات الشاي الانكليزي في أحد مقاهي فنادق الشيراتون! في أوروبا عندما بدأت حملات اليمين المتطرف ضد اللاجئين المساكين، كان كثير من الدعم لهذه الحملات من مثقفين، شيطنوا هؤلاء اللاجئين، وقاموا بترويج شعارات عدم تقبل الآخر، وأن هؤلاء القادمين الجدد يحملون ثقافات جد متزمتة ولا تناسب الليبرالية الأوروبية، وأن تدفقهم السريع سيدفع إلى ظهور عادات جديدة تعادي السامية، وأن اندماجهم في الحياة المدنية شبه مستحيل، وكثير من اللاءات التي تضامن بها كثير من المثقفين مع حملات اليمين المتطرف، وبالطبع وجدت آذانا صاغية في بعض البلاد الأوروبية! بالطبع لن استثني ما يسمى بالمثقفين في بلادنا (عندنا وعندهم خير!) ولست متحاملا على المثقفين (على فكرة كاتب هذه السطور «للأسف» يحسبه البعض من هؤلاء المثقفين، بينما العبد الفقير أقصى طموحاته العيش بستر!)، لكن هؤلاء الذين يسمون او يلقبون زوراً بالمثقفين كثير منهم مجرد رقم في إحدى الشلليات الثقافية ممن يكتب تغريدة، وتجد إعادة النشر لتغريدته وصل أرقاماً اكثر من المعتاد، أو تجده أحد عملاء جامعات «ليس بجدي واجتهادي»، وبالطبع امتياز مع مرتبة الشرف! أشخاص مزورون يقتاتون على كل مسمى وأي مسمى، وتجدهم يتصدرون كثيراً من المحافل والمناسبات، بينما لا أثر مفيداً وحقيقياً استفادت منه البلاد أو العباد! ويا للأسف عندما تكشف بعض الأزمات السياسية في دولنا عقلية البعض ممن يسمى مثقفاً، نجد أنها عرّت الثقافة الحقيقية لبعض المثقفين، واكتشفنا أن كثيراً «منهم لا يعدو كونه نمراً من ورق، أو مجرد بوق ينفخ بما يكون مرضياً عليه، او قلما مأجورا، وانس المنطق والمعقول»! عندما نتحدث عن مثقفين حقيقيين فإنني سأحدثك عن عبدالرحمن منيف، إسماعيل فهد إسماعيل، جارالله الحميد، عبدالله الحمد المعجل، كريم العراقي، بهاء طاهر، عالم الاجتماع خلدون النقيب وغيرهم كثير من الأنقياء، حتى الولد الشقي محمود السعدني قد يكون من أهم المثقفين، الذين ستبقى كتاباتهم شاهدا لتاريخنا المعاصر، الثقافة ليست لمرتادي مقاهي الشيراتون، الذين يلبسون أحدث صيحات الموضة الباريسية، بل هؤلاء البسطاء الذين بعضهم ربما بالكاد يجد لقمة يومه، وحلم حياته جلسة على أحد كراسي الخشب العتيقة في مقهى أبو توفيق! في عرف العبد الفقير أن المثقف ليس شرطا أن يحمل شهادة أكاديمية، أو حتى أن يفك الخط، بل المثقف هو صاحب الفكر الذي يملك تجربة ثرية في الحياة، ويتحلى بالرزانة والنزاهة والمثل الطيب للأجيال الحالية والمستقبلية، وتجد الحكمة والاتزان في حديثه، ويعرف متى وأين وكيف يتحدث. كتب الصحافي السعودي أحمد الفهيد، في إحدى تغريداته، أن الثقافة ليست في التكلف باللباس والكلام، ولا التثاقل في التفاعل أو رد السلام، بل هي «الضوء كيف يعبر إليك، ثم كيف يعبر منك». يوسف عوض العازمي